أحمد بن علي القلقشندي

42

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أجدر الأعمال بكلاءة الفروع من أوضاعها والأصول ، والباب الذي لا يجب أن يدخله إلَّا من أذن له في القدوم إليها والوصول ، ويتعيّن التحرّز على الطَّرقات التي منها إليها الإفضاء ، ويوكَّل بما دونها من المياه عيون حفظة لا يلزمها النوم والإغضاء ، - وكنت أيّها الأمير أشدّ الأمراء باسا ، وأوفاهم لحسن الذكر الجميل لباسا ، وأكثرهم لمهج الأعداء اختلاسا ، وأجمعهم للمحاسن المختلفة ضروبا وأجناسا ، وقد تناصرت على قصودك الحسنة واضحات الدلائل ، وتحلَّت أجياد خلالك من جواهر المفاخر بقلائد غير قلائل ، واستطار لك أجمل سمعة ، وفطمت سيوفك أبناء الكفر عن ارتضاعها من الملَّة الإسلامية ثدي طمعة ، ولا استبهمت طرق السياسة إلا هديت إلى مجاهلها ، ولا حلَّاء ( 1 ) التقصير سواك عن شرائع النّعم إلا غدوت بكفايتك وارد مناهلها ، وكم شهدت مقام جلاد ، وموقف جهاد ، فمزّقت ثوب ما رقّقه نسجا ، وأدلت في ليل قسطله عوادي صوارمك شرجا ، وقمت فيما وكل إليك من أمور الفاقوسيّة وقلعتي صدر وأيلة ( 2 ) حرسهما اللَّه تعالى قياما أحظاك بالثناء والصواب ، واستنبت في كلّ منها من أجرى أمورها على الصواب - خرج أمر الملك الناصر بكتب هذا السجلّ بتقليدك ولاية الأعمال الشرقية المقدّم ذكرها ؛ فاعتمد مباشرتها عاملا بتقوى اللَّه التي مغنمها خير ما اقتاده مستشعروها لأنفسهم واستاقوه . قال اللَّه تعالى : * ( وقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ واتَّقُوا الله واعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوه ) * ( 3 ) ، وأبسط العدل على أهل هذه الولاية ، واخصص أهل السّلامة بما يسبل عليهم ستر الحياطة والحماية ، وتطلَّب المفسدين أتمّ تطلَّب ، واحظر عليهم التّنقّل ، في هذه البلاد والتقلَّب ؛ ومن

--> ( 1 ) حلأَّه عن الشيء تحليئا ، وتحلئة : منعه . ( 2 ) الفاقوسية : نسبة إلى « فاقوس » ؛ وهي مدينة في حوف مصر الشرقي . وصدر : قلعة بين القاهرة وأيلة ( ضبطها ياقوت بتسكين الدال ) . أما أيلة فمدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام . قال أبو عبيدة : أيلة مدينة بين الفسطاط ومكة على شاطيء بحر القلزم ، وتعدّ في بلاد الشام . ( انظر في هذه الأمكنة معجم البلدان ) . ( 3 ) البقرة / 223 .